العيني
291
عمدة القاري
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على رؤوسهم : بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفنكم فيها أحد ، فأنزل الله تعالى : * ( وقالوا لن تمسنا إلاَّ أياماً معدودات ) * ( آل عمران : 24 ) الآية . قوله : ( اخسؤا فيها ) من خسأت الكلب إذا طردته وخسا الكلب بنفسه يتعدى ولا يتعدى . قوله : ( إن كنت كذاباً ) هكذا رواية المستملي والسرخسي ، وفي رواية غيرهما : إن كنت كاذباً . قوله : ( وإن كنت نبياً لم يضرك ) يعني : على الوجه المعهود من السم ، وفي مرسل الزهري : أنها أكثرت السم في الكتف والذراع لأنه بلغها أن ذلك كان أحب الأعضاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيه فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتف فنهس منها ، وفيه : فلما ازدرد لقمة قال : إن الشاة تخبرني ، يعني أنها مسمومة ، واختلفوا : هل قتلها النبي صلى الله عليه وسلم أو تركها ؟ ووقع في حديث أنس رضي الله عنه فقيل : ألا تقتلها ؟ قال : لا ، ومن المستغرب قول ابن سحنون : أجمع أهل الحديث على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلها ، واختلف فيمن سم طعاماً أو شراباً لرجل فمات منه ، فذكر ابن المنذر عن الكوفيين أنه لا قصاص عليه وعلى عاقلته الدية ، وقال مالك : إذا استكرهه فسقاه سما فقتله فعليه القود ، وعن الشافعي : إذا سقاه سماً غير مكره له ففيه قولان : أحدهما : أنه عليه القود ، وهو أشبههما ، وثانيهما : لا قود عليه ، وهو آثم . 56 ( ( بابُ شُرْبِ السَّمِّ والدَّواءِ بِهِ وبِما يُخافُ مِنْهُ والخَبِيثِ ) ) أي : هذا باب في بيان شرب السم إلى آخره ، وأبهم الحكم اكتفاء بما يفهم من حديث الباب ، وهو عدم جوازه لأنه يفضي إلى قتل نفسه فإن قلت : أخرج ابن أبي شيبة وغيره : أن خالد بن الوليد رضي الله عنه لما نزل الحيرة قيل له : احذر السم لا يسقيكه الأعاجم ، فقال : ائتوني به ، فأتوه به فأخذه بيده ، ثم قال : بسم الله ، واقتحمه فلم يضره . قلت : وقع هكذا كرامة لخالد فلا يتأسى به ، ويؤكد عدم جوازه حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه قوله : ( والدواء به ) أي : وفي بيان التداوي به ، وهو أيضاً لا يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم . قوله : ( وبما يخاف منه ) عطف على الجار والمجرور أعني قوله : ( به ) وإنما جاز لإعادة الجار ، وفي بعض النسخ : وما يخاف ، بدون حرف الباء ، فعلى هذا يكون عطفاً على لفظ السم وهو بضم الياء على صيغة المجهول ، وقال بعضهم : قال الكرماني : يجوز فتحه ، قلت : لم يذكر الكرماني شيئاً من ذلك ، والمعنى بما يخاف به من الموت أو استمرار المرض . قوله : ( والخبيث ) أي : والدواء الخبيث ويقع هذا بوجهين : أحدهما : من جهة نجاسبته كالخمر ولحم الحيوان الذي لا يؤكل ، والآخر : من جهة استقذاره ، فتكون كراهته لإدخال المشقة على النفس ، قاله الخطابي . وقد ورد النهي عن تناول الدواء الخبيث ، أخرجه أبو داود والترمذي ، وصححه ابن حبان . 5778 حدّثنا عبْدُ الله بنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حدّثنا خالِدُ بنُ الحارِثِ حدّثنا شُعْبَةُ عنْ سُلَيْمانَ قال : سَمِعْتُ ذَكْوان يُحَدِّثُ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، قال : منْ تَرَدَّى منْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهْوَ في نارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خالِداً مُخَلَّداً فِيها أبَداً ، ومَنْ تَحَسَّى سَمّاً فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسَمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نارِ جهنَّمَ خالداً مُخَلّداً فيها أبَداً ، ومَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجاءُ بِها في بَطْنِهِ في نارِ جَهَنَّمَ خالِداً مُخَلَّداً فيها أبَداً . ( انظر الحديث : 1365 ) . هذا الحديث يوضح إبهام ما في الترجمة من الحكم ، وهو وجه المطابقة بينهما . وعبد الله بن عبد الوهاب أبو محمد الحجي البصري ، مات في سنة ثمان وعشرين ومائتين ، وخالد بن الحارث بن سليمان أبو عثمان البصري ، وسليمان هو الأعمش ، وذكوان بفتح الذال المعجمة أبو صالح الزيات السمان المديني . والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن يحيى بن حبيب . وأخرجه الترمذي في الطب عن محمود بن غيلان . وأخرجه النسائي في الجنائز عن محمد بن عبد الأعلى . قوله : ( من تردى ) أي : أسقط نفسه منه . وقال الكرماني : تردى إذا سقط في البئر . قوله : ( ومن تحسى ) بالمهملتين من باب التفعل بالتشديد ، ومعناه : تجرع ، وأصله من حسوت المرق حسواً ، والحسوة بالضم الجرعة من الشراب بقدر ما يحسى مرة واحدة ، وبالفتح المرة . قوله : ( يجاء ) ، بفتح